ابن الفارض والحب المسكِر
قارئ ابن الفارض والسبك المثمِل
يكاد يتلخص مذهب ابن الفارض، الذي عبر عنه بشعره، في كلمتين اثنتين هما "الحب المسكِر". وهما اثنتان قد تضاف إليهما ثالثة تغني عن رابعة وما فوق الرابعة. وهذه الكلمة هي "الإلهي"؛ فتصير الكلمات المعبرة عن مذهب شاعرنا هي: "الحب الإلهي المسكِر". ونحن بذلك في غنى عن كل شرح وتفسير واحتمال لذا المعنى وذا المعنى وتأويل.
فما الذي يتبقى بعدئذ؟
المتبقى هو ما أروم الحديث عنه، وهو السبك المثمِل الذي يأخذ بلب القارئة والقارئ، فيملأ عليهما سائر أقطار الرؤيا، فإذا النشوة رديفة المعنى الحاضر الغائب، وسليلة الإهاب الشعري المتلألئ الأكناف والجوانب.
كفاكَ مني ثرثرة حول الموضوع، وهلم معي نضرب بكف في جبال إبريز شعر ابن الفارض، وقل لي بعدها إذا سلمت منك العين فهل سلمت منك باقي الحواس من فعل الانتشاء وسحر السبك وروعة النظم الغازي لأعماق الأحشاء وفوقها سويداء القلوب.
.
فأما عن مذهبه، فذاك ما تقرأه منذ مطلع ميميته أو القصيدة الخمرية، وكذا مطلع تائيته أو قصيدة نظم السلوك. فهناك وهنا نطالع:
شربنا على ذكر الحبيب مدامــــــة
سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرْم
وَ
سقتني حميا الحب راحة مقلتــــي
وكأسي محيا من عن الحسن جلت
.
وأما عن سحر السبك، فلذاك الوقفة المطولة.
فلندع الشاعر في حاله، فهو بحاله أدرى منا به،
ولنعد بالطرف إلى صفو خواطرنا،
ولنتتبع وقع نغمات النسج على أنفاس نفوسنا،
فلعلنا نصيب بذلك من الطهر نصيبــًا.
.
لها البدر كأس وهي شمس يديرها
هلال وكم يبدو إذا مزجت نجــــــــم
/
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميــــت
لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
ولو طرحوا في فيْء حائط كرمها
عليلا وقد أشفى لفارقه السقـــــــم
/
يقولون لي صفها فأنت بوصفها
خبير أجل عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء ولطف ولا هــوا
ونور ولا نار وروح ولا جســـم
/
فخمر ولا كرم وآدم لـــــــي أب
وكرم ولا خمر ولي أمـــــــها أم
/
وقد وقع التفريق والكل واحد
فأرواحنا خمر وأشباحنا كرْم
ولا قبلها قبل ولا بعد بعدهـــا
وقبلية الأبعاد فهي لها ختــــم
/
وقالوا شربت الإثم كلا وإنمــــــــا
شربت التي في تركها عندي الإثم
/
وعندي منها نشوة قبل نشأتــــــي
معي أبدًا تبقى وإن بلى العظـــــــم
فما سكنت والهم يومًا بموضــــــع
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ