البـــــوح الصـــريــــــــــح

كتبها salwa jalal ، في 22 أكتوبر 2009 الساعة: 07:05 ص

 

البوح الصريح

 

لا شيء يريح مثل البوح الصريح.  لكن المشكلة،  هي:  لمن يوجه هذا البوح الخالي من ألوان الالتفافات والمواراة وتجنب ما إن قيل فقد لا يجني المرء من ورائه أدنى خير؟

من هنا،  أعجب لجرأة أولئك الذين يطلقون لألسنتهم العنان بالبوح الصريح، 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التحليق في الأجواء العالية: ولوج الحضرة الإلهيــة

كتبها salwa jalal ، في 10 يوليو 2009 الساعة: 07:16 ص

 

 

 

التحليق في الأجواء العالية

ولوج الحضرة الإلهية

 

 

     تلاحقت المذاكرات بيني وبين الزوهرة حول اهتمامات جدها سعدون الدينية.  قلت لها ذات مساء وهي تستضيفني في بيتها:

 

     ــ ما يحيرني في أمر جدك هو تأكيده لإمكان ولوج الحضرة الإلهية،  والأخذ عن الله تعالى مباشرة،  وهو شيء في عرفي ممتنع،  إذ الرسول الكريم،  عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام،  خاطبه الله تعالى بواسطة الملاك جبريل عليه السلام،  فنزل عليه القرآن منجّمــًا،  ووَصَفتْ لنا أحاديثه النبوية الشريفة كيفية الوحي،  كما أخبَرَنا من شهد حاله،  أثناء نزول الوحي،  عن تغير ظاهره،  إلى أن يعود إلى ما كان عليه،  فيطلق لسانه بالآيات المنزلة المبينة.  ومهما يكن،  فحال أي مسلم لا يقاس بما بلغه الرسول الكريم،  صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.  فكيف يعتقد جدك بأن هناك وسيلة ً ما ترتفع بالمرء إلى مستوى ولوج الحضرة الإلهية وتحصيل المعرفة الربانية مباشرة من العلي القدير،  وبدون واسطة؟

 

     لكأني بالزوهرة قد سرّت لهذا السؤال،  ولعل سرورها ازداد درجات حينما لمست جديتي في الطرح واهتمامي بما كان قد استبد بها بخصوص هذا الموضوع.  قامت وغادرت غرفتها،  ثم عادت بدفتر مشابه للدفاتر المدرسية كبيرة الحجم،  أبيض الغلاف بياضــًا كالحــًا مال إلى الاصفرار بفعل كثرة الاستعمال.  قالت:

 

     ــ هذا دفتر جدي.

 

     ثم إنها فتحته على صفحة مخصوصة.  كان مكتوبــًا بخط نملي دقيق لكنه واضح لمن يقرأه كأنه قد طبع بآلة ذات حروف يدوية.  راحت تقرأ:

 

     "لا بد لكل واحد منكم أن يكون منه ما يكون،  إن ثبت في باب الله وفي صحبتنا،  إذ بالثبات مع بعضنا يكون لنا ولكم ما كان لمن قبلنا من أولياء الله.  تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين.  المرء على دين خليله.  فاثبتوا ولا بد ولا بد في إخلاص العبودية لله،  ولا تلتفتوا لشيء من الأشياء،  ففي الله كفاية.  وارتكبوا شرائع الطريق لتلوح عليكم أنوار المعارف والتحقيق.  وتأدبوا بآداب الأولياء لتكونوا من المخصوصين الأصفياء،  فبالآداب تفتح الأبواب،  وبارتكاب الشروط يذاق المشروط.  واسمعوا ما أقوله لكم وافهموه واعملوا به،  فإنكم في الحين تعرفون ربكم وتصلون إلى مناكم،  وهو أني أحبكم أن يكون لكم:

القصد الصحيح والصدق الصريح

والآداب المرضية والأحوال الزكية

وحفظ الحرمة وحسن الخدمة

ورفع الهمة ونفوذ العزيمة

وخلع العذار والذل والانكسار

والبذل والإيثار وصحبة العارفين الأخيار

وبذل المجهود في الطاعة والأذكارّ"

 

     كانت الزوهرة تقرأ بتأن وتؤدة،  وكنت أرافقها وأنا أعدّ الشروط بثني أصابع يديّ.  أنهت قراءتها،  فقلت لها:

 

     ــ هذه ثلاثة عشر شرطــًا.  وهي مسجوعة،  وأثرها المنوّم لا تخطئه الأذن الغافية فأحرى الصاحية.  لكن المتنبه لا يخفى عليه أن وراء الأكمة ما وراءها.  فإلامَ يقود تنفيذ هذه الشروط،  قبل الاستفسار عن المقصود بها؟

 

     قالت وهي تعود إلى القراءة في الدفتر:

 

    "هذه شرائع الطريق وشروطها،  فكل من عمل بما ذكرناه نال المعرفة الكبرى،  إذ ما ذكرنا هو لب الشريعة المطهرة.  فتخلقوا بما ذكرنا لكم ولا بد،  واستعينوا على ذلك بالله،  فإنكم عن قريب تصلون إلى مقام تأخذون فيه العلم عن الله وتزول عنكم أوصاف البشرية،  وتحيى لكم أوصاف الروحانية وبحياتها تصلون للحضرة القدسية ولا تحجبون عنها بشيء من الأشياء،  ويصير الغيب والشهادة عندكم سواء.  ومن لم يسلك كما ذكرنا،  غلبت بشريته على روحانيته،  فانطمست بصيرته وحجبت بالأكوان عن المكون،  فخسرت صفقته وضاعت حياته.  فاذكروا الله ولا بد،  واثبتوا في باب الله،  واجتمعوا على ذكر الله،  وتواصلوا وتزاوروا،  واعلموا أن أمركم عند الله عظيم وقدركم جسيم،  ولا بد أن يجدد الله بكم هذا الدين.  فاثبتوا ولا بد ولا بد والسلام"

 

     قلت:

 

     ــ هذا فيه تأكيد صريح على أن من اتبع هذه الشروط الثلاثة عشر المذكورة يصل إلى مرتبة تلقي الحقائق مباشرة عن العزيز العلام وبدون حجاب،  وكما قال جدك يصير عنده الغيب والشهادة سواء.  بربك،  أيصح في عرف مسلم مثل هذا الكلام؟

 

    

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رسائل سعدون: في العبوديــة والحريــة

كتبها salwa jalal ، في 8 يوليو 2009 الساعة: 10:51 ص

 

 

 

 

رسائل سعدون:  في العبودية والحرية 

 

     الإنسان،  في نهاية المطاف،  هو آثاره.  إن لم يخلـّـف آثارًا،  فلكأنه لم يكن.  قالت لي صديقتي الزوهرة:

 

     ــ كنت ألاحظ تقليب جدي سعدون لصفحات دفتر تقادم غلافه من فرط طول الاستعمال.  كان يقرأ فيه بتمعن،  فيرتفع عن الوجود الحسي،  ويهيم في عالم خاص ألمس تأثيره على حركاته وفي ملامح محياه.  السكينة والاطمئنان والثبات والرضى بالحال،  وسعادة لا حدود لها تتغشاه،  فتزيده نورًا على نور وضياءً على ضياء.  تحينت فرصة خروجه،  ذات يوم،  وتركه لدفتره فوق صندوق الأشياء التي تخصه،  دون أن يعيده إلى مكانه من الصندوق ويقفل هذا بمفتاحه النادر المثيل،  فتناولته بلهفة وغصت في صفحاته.  كان عبارة عن جملة رسائل يتوجه فيها بالخطاب إلى فئة مخصوصة من الناس.  يتناول السلوك بالتوجيه والنصح والتسديد،  ويبث،  هنا وهناك،  نظراته الراشدة المومئة إلى سواء السبيل.  نقلت منه جملة عبارات،  كانت لي مثل الزاد في دنيا عزّ فيها هذا النوع من الأقوات.  منها مثلا قوله،  وأخرجتْ دفيتر تدوين نقاط وراحت تقرأ فيه وقد تلبستها موجة من خشوع النساك:

 

     "اعلموا رحمكم الله أن الإنسان إذا كان ممتثلا لأمر الله،  مجتنبًا لنهيه بظاهره وباطنه،  متحققــًا مع ذلك في الظاهر بالعبودية…  ومتحققــًا في الباطن بالحرية…  كان الإنسان لا محالة عارفــًا بالله،  مستغرقــًا في شهود عظمة الله،  لا يعرف غير الله،  ولا يميل لسواه.  رفض في الله كل شيء،  وخلصه الله من كل شيء،  فهو أبدًا يهيم في الله،  ويتلذذ بمشاهدة قدسه وسناه.  ليس له عن نفسه إخبار،  ولا مع غير الله قرار.  ولا يفرح بشيء سوى الله،  ولا يحزن على شيء.  أزال الحق سبحانه عنه الحجب والأستار،  وأكرمه بالمعارف والأسرار.  فانيــًا عن وجوده،  باقيــًا بشهوده.  ذاته مع الخلق،  وقلبه مع الحق.  يأخذ من كل شيء ولا يأخذ منه شيء.  يتقرب إلى الله بكل شيء ولا يحجبه عن الله شيء.  حركاته وسكناته كلها لله وبالله.  ليس للشيطان عليه من سبيل لأنه عبد الله،  ومن كان عبد الله تولاه الله،  ومن تولاه كفاه ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)) [سورة الحجر،  الآية 42؛  وسورة الإسراء،  الآية 65]،  ((ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) [سورة يونس،  الآية 62].  فما حجب القلوب عن علام الغيوب إلا عدم العبودية،  فلو وجدت لوجد الخير كله،  وحيث فقدت فقد الخير كله.  فما اتصف أحد بما ذكرنا إلا وكان من الأولياء الكاملين،  لأنه تخلق بسنة سيد المرسلين.  ولا اتصف بأضدادها إلا وكان مع الشياطين،  ولو كان عند الناس من الصالحين".

 

     قلت مرة لجدي:

 

     ــ فإنك لتتحدث كثيرًا عن العبودية والحرية،  فما العبودية؟  وما الحرية؟

 

     حدجني بنظرة ذات مغزى،  فهمت منها أنه أدرك أنني تصفحت دفتر رسائله، 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سعدون: الخير وقد تجسد إنسانــًا

كتبها salwa jalal ، في 27 يونيو 2009 الساعة: 05:35 ص

 

 

 

سعدون:  الخير وقد تجسد إنسانــًا 

 

     أعترف بأنني قد أغرمت بصديقتي الزوهرة غرامــًا لم يعد معه طيفها يغيب عن ناظريّ حتى بعد إطباق الأجفان.  فأحاديثها المتنوعة،  وجولاتها التي نطرق خلالها السهل والجبل والبحر والغابة،  وصورها وأشرطتها العائلية الخاصة،  وبالجملة:  عالمها المتنوع المتموج الخلاب،  كل هذا قد سرى في أوصالي مسرى الدم في الجسد.  ماذا أقول؟  بل مجرى السحر الحلال،  إن كان هناك من وجود لسحر حلال،  ولعله هو ذاك الضرب من البيان الذي قيل فيه بحق:  إن من البيان لسحرًا؛ مجرى ذيّاك النوع من السحر في الشرايين،  فإنه ليسكن من الفؤاد سويداءه،  وإنه ليعمر العقل والفكر جميعــًا فيكاد يذهب باللب الذهاب الذي قد لا يرجى له معه عودة ولا إياب !

 

     من بين أحاديثها التي تدخل على النفس فتغير لها الاتجاه،  ما روته لي عن جدها.  وهو شيخ جليل،  يعيش وسط أفراد العائلة كأي شخص منهم دون أن يفقد السيطرة العامة على المقود،  فإليه مرجع الأمر كله،  إن من الصغير أو الكبير،  سواء بسواء.

 

     وأوردت الزوهرة من ذكر مواقفه المتعددة المترجمة لروح إنسانيته العالية،  من الأمثلة ما قد يستعصي،  على الفهم اليومي المعتاد،  استيعابُـه فأحرى تصديقـُه،  فإذا أنا أقف وجهــًا لوجه أمام نموذج الإنسان الكامل حقــًا وصدقـــًا.  ولأدلل هنا بأمثلة يسمح بها المقام تمس جانبــًا واحدًا من مواقفه المتسامحة النبيلة مع بعض من عاشروه بقلب غير سليم؛  قلب يضخ،  على السطح،  هشــًا وبشــًا،  وينطوي،  في القعر،  على الضغينة أو المكر أو السعي وراء تحقيق مأرب من مآرب الدنيا الزائلة.  وهذا صنف من الناس.   وصنف آخر جاهر الجدَّ بالعداوة،  ولم يألُ جهدًا في إصابته بألوان الأذى؛  فكان موقف الحلم والصفح والتعامل الرفيق هو اختيار الرجل،  ذهبي القلب،  في حق الصنفين معــًا وبدون أدنى تمييز.

 

     كانت العزيزة الزوهرة تتحدث عن جدها ولا تخفي مدى تأثيره فيها.  وهل الإنسان أكثر من جملة تأثرات وتأثيرات؟  فالرأي،  والفكر،  والسلوك،  والتدبر،  واتخاذ الموقف،  والفعل ورد الفعل،  كل هذا إنما هو نتيجة ما يأتينا من خارج من تأثيرات،  إيجابية  كانت أو سلبية،  تمتزج بما يمور بداخلنا من عواطف وتوترات،  فتشحذ لدينا الخيال وتحرك أصول التفكر والتفكير،  وتشعل فتيل التحرك والتعبير،  فإذا المرء يختار هذا الشط دون غيره،  فيستقر عليه الاستقرار الذي يريحه،  ويلتقط غيرُه منه موقفه ذاك،  فإذا هو إما معه أو عليه،  وإذا بروح التأثر والتأثير تعمل في هذا الشخص الجديد،  فيتفاعل كما تفاعل سابقه،  وينجم عنه الموقف الذي يرتضيه لنفسه،  فتكتمل الدورة،  وتتكرر القصة مع ثالث ومن يليه ومع سائر التالين،  وتستمر الحياة في توقيع تحولاتها من هذا إلى ذاك،  فلكأنما الآتي بالنسبة للماضي أشبه للماء بالماء وللسماء بالسماء.

 

     قالت والحب يطل من عينيها وآيات الإعجاب تتراقص على  طرف لسانها:

 

     ــ حل ببيته ابن أحد أشراف مدينة فاس،  فأكرمه غاية الإكرام وخصه بغرفة في جناح الأضياف،  ثم طالت إقامته،  فاتخذ منه الجد واحدًا من أهل البيت،  ثم ترامى ناظراه إلى خادم بالمسكن،  فعقد له عليها القران بعد أن أهـّـلها لذلك موفرًا لها شروط الاستقلال.  ولحاجة تحركه،  اكترى ابن الشريف بيتــًا في طرف قصي من المدينة،  ثم جنح بمن تعتبر زوجه إلى مسرح الهوى والمجون مع لفيف من الأقران صاروا يترددون عليه،  فضاقت نفسها  بالرقص للسكارى بعد سقيهم كؤوس الراح،  فانسلت،  لحظة َ غفلة ٍ،  وهرعت إلى الجد،  وأخبرته بما استطاع لسانها النطق به من خبر سليل الشرفاء وزمرته من الرفقاء،  فما تــرين كان موقف جدي سعدون؟

 

     قذفتني ببسمة تحد،  ورمقتني بأطراف العين،  وكأنما لسان حالها يردد ألـَّـن تصلي يا هاته إلى أدنى تصور صائب لما صدر عن الجد المتفرد.  قلت،  مع ذلك،  أماشيها:

 

     ــ فلعله بادر إلى زجره بإحسان،  وتنبيهه إلى أصله النبيل،  مع رد الزوجة إلى بيتها مشترطــًا عليه التعزيز والإكرام.

 

     أطلقت قهقهتها الصافية،  ويا لحب الدنيا:  لكم تفتنني قهقهتها الصداحة الصادقة تلك،  فلا أزداد فيها إلا حبًا وشغفــًا،  ولا أزداد بها إلا تمسكــًا وتعلقــًا وشـَـبَـثــًا.

 

     قالت وهي تزوي عينيها كأنما هي تغمز بهما معــًا:

 

     ــ استدعاه عدة مرات،  فلما تأبّـى،  قصده إلى البيت بعد أن قدم أمامه من يخبره، 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

منطــق الحـــدود

كتبها salwa jalal ، في 17 يونيو 2009 الساعة: 04:37 ص

 

 

 

 

منطق الحدود

 

     قلت لصاحبتي:

     ــ فقد أفهم عنك أن الواقع يضم حالات وأشكالا من العلاقات،  من بينها علاقة السيد بتابعه أو خادمه أو من يعمل على قضاء مصالحه،  مؤتمرًا بأمره،  منتهيًا عن إتيان ما ينهاه عنه.  ولكنني لا أفهم عنك،  بل ولا أكاد أحصل أدنى معنى،  لقولك إن منطق الحياة كلها ينبني على علاقة السيد / الخادم.  فأنا شببت على إيقاع قانون آخر،  وما أراه إلا الأصوب من بين سائر أصناف المنطق التي بلغها اجتهاد الذهن الإنساني حتى وقتنا الراهن.

     أحاطتني الزوهرة بنظرة جعلت مني مركزًا في دائرة نظرها،  ثم ما عتمت أن ولت عني بناظريها لتضرب بهما بعيدًا في أفق الفضاء الممتد.  نظرتْ إلى أبعد نقطة في العلياء،  وسهتْ عن تواجدي بجوارها،  وراحت في لحظة تأملية عميقة كأنما هي تتأمل شيئــًا لا أراه،  وتسمع شيئــًا لا يبلغ أذني نأمة من صداه.  احترمت صمتها،  فكثيرًا ما يكون الصمت عنوانــًا لمراجعة الموقف وإعادة النظر فيه،  أو على الأقل الإقبال على معاودة تمحيصه.  كلفتُ بعينيها خاصة.  صغيرتان في غير ضيق،  كبيرتان في غير اتساع،  خارقتا النظرة،  ثاقبتا التسديد،  ثم يا لِمَا لهما من قدرة على تجاوزك إلى فسيح الفضاء،  حيث تجول بهما الزوهرة بين كائنات تراها وحدها.  امرأة ذات خيال حي،  وقوة إبداعية لا تنكر،  وسحرُ حكي يسلب السامع وقته ويؤدي الثمن المطلوب راضيــًا إن هو طلب منه الأداء.  أليس ذاك ما نفعله جميعــًا عندما نتوجه إلى المسارح لحضور لوحات استعراضية وقصص حية يعاد تمثيلها عن نص مكتوب؟  سهت هنيهة لكنها سرعان ما عادت إلي وقالت:

     ــ أي أخيتي سلوى !  إن كان هناك من السامعات من فهمت مغزى كلامي،  فهي أنتِ بدون شك ولا ريب.  وأنت تدرين أنني لا أقصد من وراء ذلك أي تقليل من شأن الإنسان كإنسان.  إنما هي إستراتيجية عمل فقط لا غير.

     ــ رغم ذلك،  فحتى فيما بيننا وبين أنفسنا،  لا بد وأن يضبط إيقاعَ تفكيرنا منطقُ الحدود.

     ــ أفهميني مرادك أكثر.

     ــ الأمر في غاية البساطة:  ألم يرسم لنا ديننا حدودًا معينة أمرنا بألا نتجاوزها وألا نتعداها؟

     ــ بلى.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

منطــق السيــد والخــادم

كتبها salwa jalal ، في 16 يونيو 2009 الساعة: 05:25 ص

 

منطق السيد والخادم   

 

     كل شيء في الوجود يخضع لمنطق معين ثاو وراء المظاهر،  متوار بين الوقائع،  متلبس بكل النوازل،  محايث لسائر الأحداث.  فمكتشف منطق الوجود هذا هو وحده أسعد السعداء.  وهو يتبوآ من السعادة أعلى أكنافها،  لأنه يتحكم في مجريات الأيام بوعي مسطور،  أنارت بنوده أنامل الأيام،  وباركته أمالي الأقدار.  وقد عجبت لحالي إذ تبدل رأســًا على عقب بمجرد الوقوف على حقيقة أن ما يسود الكون،  في نسيج لحماته وأسديته،  إنما هو منطق السيد والخادم ولا منطق آخر عداه.  قال قريني وهو يُمَشـّـط شعيرات لحيته الفضية النيرة البهاء بظاهر أصابعه:  ــ المرء هو في أصله سيد وكل ما يوجد من حوله هو له خادم وعبد.  بقي أن يعي أنه عبد حق للحق الأعلى وحده.  هنا،  وبوعيه بهذه الحقيقة،  يبلغ أعلى درجات الحرية.

 

     منذ ذلك اليوم ارتحت في جميع حركاتي وسكناتي،  في كل خطواتي ووقفاتي.  فالذي يتعامل معي،  إنما هو يفعل دومــًا من زاوية خذ وهات،  وإن استطاع سبيلا للأخذ دون العطاء،  لفعل للتو وبدون أدنى تأجيل.

    

     فتحتُ عينيّ صباح ذاك اليوم،  فرأيت الكون غير الكون.  فكل ما حولي هو لي الخادم الأمين.  في البيت تصرفت الوالدة والوالد والإخوة والشغالة وكأنهم جميعــًا يهرعون لتلبية طلباتي.  في الشغل،  حتى صاحبة الكلمة الأولى بدت وكأنما هي تطلب مني ما ييسر عملي ويزيد نجاحه نـُجـْحــًا،  دع عنك من هنّ وهمْ تحت يديّ من عاملات وعمال،  فهؤلاء كانت طلباتي لهم أوامر تنفذ للحين ولا تقبل أي تأجيل.  في الخارج،  كانت الطبيعة تعرض علي خدماتها؛  فالأرض أخرجت زينتها،  والسماء نشرت بهاءها،  والناس رصوا لي الطرقات وأقاموا المقاهي والملاهي وشيدوا المنتزهات ورمموا المآثر وابتنوا العمارات وحفوا الشوارع بالمتاجر وزودوا المدينة بالمكتبات ودور عروض الأزياء وكل ما تهفو النفس إلى مشاهدته.  والمال في الحافظة نفسه خادم للرغبات مقنن لها،  فإن قل أو انعدم،  فذاك لخدمتك بأن تتخلص من أسر المقتنيات،  وإن توفر،  فالدنيا كلها لك وكبساط ورد مُدّ تحت قدميك.

 

    

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الــتــمــــــويـــــــــــــه

كتبها salwa jalal ، في 15 يونيو 2009 الساعة: 00:27 ص

 

 

التمويــــه 

 

     كلما حَزَّك أمر أو انزلقت بك القدم في طريق تأباها،  في العمق،  نفسك،  ويورّطك فيها هواك أو يجرك إليها ظَرْفـُك،  ظرفٌ يغلب على سائر ظروفك الأخرى فيستبد بأفعالك رغمــًا عن أنفك،  إلا ووجدتَ نفسك متسائلا عن الكامن الحق وراء ما أتته يداك من فعل،  واستحوذ على سويداء فكرك من خاطر،  وقاد خطاك في درب لم يكن يعنّ لك منه ظاهر ولا باطن،  ولا يتبدى لك فيه مطلع ولا حد.  أأنت فعلا من يأتي سائر الأعمال بكامل هفوك ورغبتك وتوقك واختيارك،  أم أنك تنساق مع تيار يهبّ من وراء ظهرانيك،  فتندفع معه اندفاعــًا،  قدمٌ لك وقدمٌ ينقلها غيرك،  تشعر وكأن يدًا خفية تدفعك دفعــًا في الظهر،  فلا تملك عن التقدم توقفــًا،  ولا تستطيع لفتقك رتقــًا،  وتخور منك سائر القوى فلا تنبري للريح الصرصر العاتية الهوجاء صدًا وردًا. 

     في مثل هذه الحال،  ما العمل وما الصنيع؟

     عندما سألتُ حميدو أجابني على الفور:

     ــ موقف الوالدة هو،  دون شك،  المواربة والتمويه.

     استغربتُ من جوابه استغرابين؛  فأما أولهما فسرعة استحضاره لمرجعيته الأصلية،  والدته،  دون التفكير في غيرها،  وأما ثانيهما فهذا الاختيار الذي تنتهجه الباطـْـشة في مواجهة مثل هذا الأمر الدقيق.

 

     كثيرة هي الحيوات التي تعصف بها صروف الدهر بفعل الاحتيار والتردد ثم الانسياق وراء المواقف بدون تدبر واستبصار.  استغربتُ أكثر لغياب أي مرجعية دينية في سلوك حميدو،  فلكأنما القرآن الكريم والحديث النبوي والسيرة العطرة كلامٌ مكتوب في نص وضعه وضعــًا ظهريــًا،  ونصب أمام عينيه مشكاة والدته يستهدي بما يسطع منها من نور،  ويا للنور الواهن المنبعث من فانوس المرأة المصدومة التي قرّ عزمها على نسج أردية الانتقام بينها وبين سائر من عداها،  ممن قذفتهم أكف الحياة في طريقها،  من سائر الأوادم بل والحيوانات !  القسوة المدثرة بألف بسمة وبسمة،  والتدمير المغلف بمعجم المعسول من الألفاظ،  والتآمر المزمّـل بأردية التملق،  والغمز الموقِـع على أمّ الرأس في قعر الشباك؛  ذاك هو المقصود بـ"المواربة والتمويه" في إشارة حميدو إلى حقيقة موقف والدته ممّـا حمله إليه السؤال.

 

     إن كان لي أن أحمد في حميدو خصلة واحدة ووحيدة لا ثانية لها،  فهي صراحته المفاجئة عندما أغتال خياله بطرح سؤال يحفر في مكامن ما اندفن في عمق أسرار نفسه.  فما إن ركن إليّ،  حتى اتخذ مني القلب الذي يتناغم نبضه مع ما يردده فؤاده من وجيب.  شاب لا يخلو من سذاجة مَن لم تهذبه صروف الدهر وعِـبَـر التاريخ.  أبعد الناس عن مطالعة الكتب العميقة،  يعيش على سطح الحياة،  يتصارف بالقشور يعتقد أنها لآلئ حقائق كل ما هو موجود.  بسيط في تفكيره بساطة فكر إخوة يوسف مجتمعين؛  أما كان في الوسع من الحيل العشرات لتغييب ذاك الجميل تحت ناظري والديه معــًا دون أن يدريا من حقيقة الأمر شيئــًا،  اللهم إلا إن أتى الأبَ من السماء مددٌ يحيطه بجلية ما حدث؟  بلى،  ولكن سذاجة الفكر تحمل صاحبه إلى أول ما يتبادر إلى الذهن من وسائل التخلص من الآخر؛  فإما القتل،  كما أشار مشيرهم،  وإما الإلقاء به في الجبّ،  كما أجمع عليه أمرهم،  ثم تمثيل إلباس الذئب البريء جرمــًا لم يخلـّـف سوى ثياب تخللت مُزَقــَـهـا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قــــوت الــقــلــــــــوب

كتبها salwa jalal ، في 13 يونيو 2009 الساعة: 06:53 ص

 

 

قوت القلوب 

 

     عندما انكفأ أبو حامد الغزالي على نفسه،  بعد سنوات من المجد في أحضان المدرسة النظامية،  المنسوبة إلى مؤسسها الوزير المغتال نظام الملك،  عكف على قراءة كتب الرقائق وعلى رأسها كتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكي.  عنوانه الكامل "قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد".  كان قد مر أزيد من قرن من الزمن على وفاة مؤلفه،  ولكن شعلته كانت في أوج تأججها لدرجة أن عالمــًا متبحرًا كحجة الإسلام الغزالي وجد فيه من الوهج ما أدخل الدفء على ما اصطك من عضلات فكره من فرط برد الشك وزمهرير الضياع.  كان والدي بدوره مغرمًا بالغوص وراء درر هذا الكتاب.  كنت أدخل فجأة إلى مكتبه،  في غيبته،  وهو عمل مأذون لي به منذ صغري حيث اقترنت الزيارة لدي بطقوس منها ألا أغير لورقة مكانــًا ولا أحول لأداة موضعــًا.  وكان يروق لي أن أحتل مقعده خلف مكتبه العريض المحفوفة أطرافه بالأدوات والأوراق والبطاقات والملفات والذي يتوسطه دومــًا كتاب مفتوح أو مجلد من موسوعة أو دورية من الدوريات مما يكون الوالد قد قاده إليه،  في جلسته الأخيرة،  بحثه وتنقيبه وفضوله العلمي،  فأحاول أن أتقمص دوره وأكدّ ذهني للوقوف على كنه ما استرعى انتباهه واجتذب اهتمامه فأوهم نفسي بأني بدوري أرتقي في سلم العلم إلى حيث ارتقى ولو من باب الإطلال على الحدائق الغناء التي صار أحد مرتاديها الدائمين.  في ذاك المساء،  دلفت على عادتي إلى مكتبه،  فوجدت كتاب القوت مفتوحــًا على الصفحتين 192 و193 من الجزء الأول. 

     كنت محتارة فيما أنا أتجرجر وراءه من قصة الأم تلك وابنها،  أقصد الشاطـْـبة وحميدو،  غير مستقرة على حلّ يلائم وضعي ويرضي غروري.  قرأت في أعلى الصفحة اليمنى التي أمامي:  "ويقال:  من علامات التوفيق ثلاث:  دخول أعمال البر عليك من غير قصد لها،  وصرف المعاصي عنك مع الطلب لها،  وفتح باب اللجا والافتقار إلى الله عز وجل في الشدة والرخاء في كل الأحوال".  قلت في نفسي :  أن تميل إلى البر،  وتتجنب المعصية،  وتتقرب من الله تعالى.  عدت فقلت:  أن يكون المرء خيّرًا،  وأن يبتعد عن اقتراف الآثام والشرور،  وأن يستحضر الله في سائر الأعمال.  ثم خلصت إلى النتيجة:  استحضار الله يتضمن الشرطين الأوليْن،  إذ لو تمكن المرء من بذل ما في الوسع للتقرب للعلي،  لكان في ذلك،  الحافز كله على الجود والهبّ إلى مساعدة الغير وحماية النفس من كل ما من شأنه أن يدفع إلى انتهاك أوامر الله ونواهيه،  وذاك هو عينه ما يقرّب من العزيز المتعالي.  زدتُ فقرأتُ:  "ومن علامات الخذلان ثلاث:  تعسر الخيرات عليك مع الطلب لها،  ودخول المعاصي عليك مع الهرب منها،  وغلق باب اللجا والافتقار إلى الله عز وجل وترك الدعاء في كل الأحوال".  وزاد فختم داعيــًا:  "فنسأل الله تعالى بفضله حسن التوفيق والاختيار،  ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار".  قلت:  "فما أقرأه هنا،  هو ما يضاد تلك الشروط الثلاثة الأولى التي هي علامات التوفيق.  لا ينبغي أن يغيب عنا ما ينطوي عليه سر التوفيق من حركة ذهاب وإياب.  ففي الوقت الذي تكون فيه منصرفــًا عن انتظار أعمال البر،  فإنها تأتيك وتغشاك من قمة رأسك حتى أخمص القدمين.  فهذه حركة.  وأخرى معاكسة لها تمامــًا،  أن ترغب من صميم دخيلتك في اقتراف معصية ما،  فيقوم دونك ودونها من الحواجز ما يجعلك تنصرف عنها مبتعدًا إلى أعمال أخرى لا جريرة تحتها ولا تدثرها آثام.  وتلك حركة أخرى.  وكلتا الحركتين لا اختيار لك فيهما لا بإقبال ولا إدبار.  فأما ما لك فيه فعلا يد وقدم على السواء،  فهو علامة التوفيق الثالثة،  إنها اللجوء الدائم إلى الله والاحتياج الدائم لتأييده ضيقــًا وفرجــًا،  وفي تلك لعمري كفاية الكفاية.

 

     حاولت أن أقيس وضعي بعلامات التوفيق تلك وما وازاها من علامات الخذلان.  فأي منها،  تثقل موازينها في حياتي،  وأي منها تخف؟

 

     أعجب من أمر والدي العجب كله،  ومن حال أبي حامد قبله.  فكلاهما وهبه الله من فضله بسطة في المال والعلم والصحة وحسن الفهم،  ثم إنهما معــًا أعلنا عن حدوث أزمة روحية في حياتهما،  وكلاهما طاف به الطائف على سائر الأبواب،  وعرته من وخزات الشكوك فيما حصله من دروب العلم وضروبه ما ليس عليه من مزيد.  ثم هما معــًا لم يخفيا ما أصابهما،  فكان الوالد يستفيض في عرض حاله،  مثلما أفرغ الغزالي ما في جعبته من أسرار في "المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال".

 

     لا شيء يثيرني في عالم التصوف إلا الكرامات والخوارق،  وما تحفل به من غرائب الوقائع وما تأتيه من أصناف التصرف في الكون بما انطوى عليه من كائنات وموجودات.  أمور تبهرني،  وتسلب لبي،  وتحلق بخيالي عاليــًا.  كالغواص الذي يبلغ أبعد نقطة ممكنة في أعماق المحيطات،  كذا كرامات الأولياء وخوارقهم ترتفع بخيالي إلى أعلى نقطة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قرينـــي قـــال لـــي

كتبها salwa jalal ، في 31 مايو 2009 الساعة: 08:03 ص

 

 

حدثني قريني قال 

 

     عالـَم القرين عالمٌ فريد حقــًا.  ما كنت لأثيره لولا أنه يشكل الوجه الخفي لقمر حياتي.  هو وجه غير مرئي،  لكنه جزء لا يتجزأ من المسار الطويل لتجربتي وتعاملي مع نفسي ومع الناس.  والحق أن كل شخص لا نرى منه سوى الوجه المتجلي فيه.  وقبل أن أقف على مسألة القرين هذا،  كنت،  كمعظم خلق الله،  لا أرى من القمر إلا وجوداته المعطاة والمتتالية من نقطة منيرة،  نقرة نور هي،  إلى هلال يظل يتنامى إلى أن يغطي النور وجه القمر بكامله،  فنقول:  ها البدر قد اكتمل،  ونحتفي بليلة الرابع عشر من كل شهر عربي،  كل بطريقته،  ومن باب الاحتفاء الصوم خلال الثلاثة أيام لاكتمال القمر بدرًا،  ولا تقديس هناك للقمر في ذاته،  فهو قمر مخلوق،  ولكن في هذه الوقفة تحية لإحدى آيات الله الطبيعية العظمى المتبدية للأنظار.  ثم إننا ننتظر بعدها جنوح النور نحو الانقباض إلى أن تتلاشى آخر نقطة فيه،  فندقق في يوم حلول الشهر الجديد،  وتترصد الأعين مجددًا لهلال قادم مبشر بدورة أخرى من دورات عجلات حياتنا التي لا يوقفها سوى السبات الأخير الذي هو في عرف الدين الإسلامي اليقظة من النوم الطويل.  كل هذا،  ولا أحد منا يثير حديث الوجه الآخر،  الوجه الخلفي والخفي للكوكب الليلي.  وعندما تمكن العلم أخيرًا من الطوَفان بالقمر من سائر جوانبه،  ووضع له خريطة تبين كل ملامح الوجه المغيب،  بعد أن فرغ من ذلك بزمان بعيد بخصوص الجزء المشاهد منه،  حينها فقط سلم الشكاكون والمتحذلقون في اختلاق البراهين على أن ما وراء هذا الوجه الذي نشاهده إنما هناك تقعر،  أو صفحة كاملة تشكل قرصــًا تامــًا،  وإلا فكيف يكون القمر كرويــًا ولا يدور حول نفسه فنقف على وجهه الآخر،  والحال أن كل شيء في السماء يدور !  تشابكت فروض العلماء،  ويا لهول ما تأتي به فروضهم من ضروب الخيال وتهويمات الخيلاء،  خيلاء العلم الموهوم !  ها قد صار الآن للوجه الآخر خريطة لا ينكرها أحد من عقلاء الناس،  وها التسميات قد غطت سائر البقع والمفازات والنتوءات والمرتفعات والسهول والوهاد.

     كذلك الشأن بالنسبة للقرين.

     وقصتي مع قريني تبدأ منذ أن وعيت بأن لي فعلا قرينــًا أو أكثر من قرين.  إلا أنني لم أهتم إبانئذ بالاتصال به،  بل لم أكن أدري أن هناك من الوسائل ما يتيح فعلا مثل هذا الاتصال.  إلى أن كان يوم عرفت فيه أن القرين هذا هو الوجه الخفي لدى كل شخص ٍ شخص،  وأن معرفته تسهل التعامل مع المرء بل واقتياده نحو ما نود منه أن يحققه لنا من مبتغيات وأعمال،  وما نطمح إلى أن نستفيده من ورائه؛  فنزيحه جانبــًا إن كان أحد منافسينا الأشداء،  ونقرّبه أو نبعده حسب مدى حاجتنا أو عدم حاجتنا إليه. 

    

     كانت الزوهرة تتحدث كعالمة ملمة بأصول علمها وفصوله،  لا تتلعثم،  ولا تتردد في صبّ كل ما في إنائها من ماء.  لقد قررت أن تصرّح بكل شيء،  وكان أحد محاور حياتها الأساسية مسألة القرين هاته التي لم نكن ندري عنها كبير شيء.  كنا نعبر بذكر القرين في آي الذكر الحكيم عبور المسافر بالأطلال،  وما أشد البون بين عابر السبيل وبين عالم الآثار وهما يمسحان بناظريهما معالم آثار طلل من الأطلال !  وكنا نسمع أن الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام قد أشار إليه غير مرة،  فتحدث عن قرينه،  وهل أسلم القرين أم أن الله تعالى سلم الرسول الكريم من شره فحسب،  وتحدث لعائشة عليها جميل الرضوان،  وقت غيرتها عليه وهو يغادر بيتها إلى بيت غيرها من أمهات المسلمين،  تحدث لها عن أثر قرينها فيها،  وساءلته في الموضوع فأشبعها جوابــًا،  ولكن ما تلقناه من أخبار السيرة النبوية الشريفة لم يكن يتوقف بنا عند هذا الحدث حتى نتبين فيه الخيط الأبيض من الأسود.

 

     والحق أن كل أحاديث الزوهرة تثير من الغرابة ما لا مزيد عليه.  وما حديثها عن قرينها سوى أحد تلك الدلفات التي جرتنا وراءها فيها إلى استكشاف غياهب غرائب النفس البشرية وسراديب ألغاز الوجود الإنساني برمته.  فكان كلامها،  مما أحاطتنا به خـُبْـرًا عن قصتها مع قرينها وما قام به من أدوار لصالحها،  من غريب ما طرق سمعنا من حكايات.  قالت ممهدة للحديث عن هذه الظاهرة الفذة والتي تلاطمت حولها الأقوال:

     ــ ليس من إنسي بعار ٍ من قرين واحد على الأقل.  والقرين هو موجود خفيّ يقترن بالمرء منذ أن يبدأ تخلقه في بطن أمه وتشع فيه نبضات الحياة.  وهو قادر على فعل الخير،  كما أن الشر إن رام اقترافه واجترحه،  ينجم عنه وضع وخيم للشخص المقترَن به.  كل الناس في حديث باطني دائب مع أنفسهم.  لا ينبغي أن نخلط حديث النفس هذا مع ما يوحي به القرين من أفعال.  أما قريني فهو،  والحمد لله،  إلى فعل الخير أميل.  وهناك وسائل عديدة للاتصال به،  إذ هو نادرًا ما يقدم على الإفصاح عن نفسه.  فعلى المرء أن يطلب قرينه،  أو قرناءه،  إذ قد يكون له أكثر من قرين،  إن هو رغب في الاتصال به.  وقد آثرت طريق العلماء فاسترشدت بهدي ابن خلدون في حديثه عن الاتصال بالطبّاع التام.  وقد أخبر أنه اتصل بطبّاعه التام وطرح عليه عدة مسائل احتار فيها واستشكل عليه أمرها.  عملتُ بدأب ورددت الكلمات الست قبل المنام،  ولما حضر طبّاعي التام كان في هيأة بهية،  شيخــًا كا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أقصـــى درجــات التحمّـــل

كتبها salwa jalal ، في 27 مايو 2009 الساعة: 05:47 ص

 

 

أقصى درجات التحمل 

 

     في سائر مراحل العمر،  يمر المرء بفترات يتأكد له فيها مدى درجة تحمله لهذا الشخص أو ذاك،  ومدى قدرته على الصبر وانتظار أوان نضج هاته القضية أو تلك؛  فأحداث الحياة هي كلسعات أشعة الشمس اللاظية،  وكقرصات لفحات البرد في أواسط الليالي المظلمة،  والحوادث جميعها تتشابك حول مسار المرء لتؤدي به إلى نتيجة ما،  هي كالثمار بالنسبة للنباتات المثمرة،  لا تطلع إلى الوجود إلا حينما يحل أوان نضجها.  أوان النضج إذن كاشف لدرجة تحمل المرء ولقدرته على الصبر.

     عندما التقيت بحميدو،  وتوالت لقاءاتي به،  هالني أن أكتشف أن فصلي الربيع والصيف لديه يشكلان مجتمعين حيزًا ضيقــًا بين فصول حياته.  إنما الممتد فيها هو فصل الخريف،  أما فصل الشتاء فهو يكاد يكون كل حياته.  وما القول في شخص لا يرى من جمال الدنيا إلا ما تريه إياه والدته،  ولا يحس بدفء الوجود إلا من خلال مدفأة أمه؟  تلك المدفأة التي ما إن يفارقها حتى تبسط عليه البرودة رداءها ويدثره مرض فقر الدفء،  على منوال مرض فقر الدم،  ببرنوسه السميك،  فتوشك عضلات عواطفه أن تتجمد،  وتكاد نبضات قلبه تتحول إلى دقات ساعة صممت خصيصــًا للإشارة بعقربيها في أمانة تامة إلى لحظات الزمن المتتالية دون زيادة ولا نقصان،  وإلا لشك في أمرها،  وأعيد النظر في مكوناتها،  وانكب عليها مصلحها من الداخل إلى أن تعود إلى ما كانت عليه وما صنعت من أجل أدائه.  وما هكذا قلب الإنسان !  فدقاته قد تبطئ وقد تتسارع وتيرتها تبعــًا للمواقف التي يمر منها خلال لحظات اليوم الواحد،  وقلبه،  من ثمة،  مترجم أمين للأحاسيس والمشاعر والعواطف،  من حب وكره وميل ونفور وإقبال وإدبار وسرور وغضب،  وبكلمة جامعة:  من فعل وانفعال.

     صُمّم هذا الذي صرتُ أجالسه على أن يتمتم،  فيما بينه وبين نفسه،  إزاء أي موقف كان:  ــ لو كانت والدتي هنا،  ترى ما الذي كانت ستفعله؟  وسرعان

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي