Yahoo!

الرسالــة الخامســة

كتبها salwa jalal ، في 31 يناير 2012 الساعة: 03:02 ص

 

 

الرسالة الخامسة

 

     عزيزتي نجلاء

 

     شيء ما يحيّرني ويشغل بالي ويملأ أوقات فراغي هذه الأيام.  فمنذ التقائي بجليلة في غابة الرميلات،  وأنا أحاول جاهدة أن أرسم لنفسي صورة دقيقة وحقيقية من الداخل؛  لا لها هي،  وإنما لي أنا !  دعي عنك هذه الصورة التي أبدو بها بين الناس،  وفي العمل،  وعلى الإنترنت؛  كلا،  فما هذا مبتغاي.  إنني أروم استعمال سائر الألوان والظلال لرسم صورتي الحقة الداخلية.  أعرف نواقصي وكمالاتي المتواضعة،  أدرك أن نفسي تميل إلى فعل الخير أكثر منها إلى مسايرة أفاحيح الشر.  ولكن هناك فعلا أشياء عميقة تجعل صورة نفسي الداخلية مختلفة إلى هذا الحد أو ذاك عن الصورة الشائعة لي في دنيا الناس.  رسم الصورة الداخلية للنفس أمسى،  بالنسبة إليّ،  معضلة المعضلات.

     دعكِ الآن من هذا،  وتعالي معي إلى آخر أخبار جليلة،  والصحيح:  آخر أخباري معها.  فقد اتصلت بي هاتفيــًا في المساء ودعتني لزيارتها مساء اليوم التالي عندما أفرغ من عملي وأؤوب إلى البيت وآخذ لنفسي ما يكفي من الوقت للخروج من جلد شخصية النهار وتقمص ما يليق بملاقاة الناس في المساء.  سألتها:  ــ ما المناسبة؟  كنت أسأل لكي آخذ معي ما يناسب من هدايا أو غيرها من واجبات أقرها العرف في كل مناسبةٍ مناسبة.  أطلقتْ ضحكة رنانة وقالت:  ــ عندما تشرّفين ستعرفين؛  ائتيني بيديك فارغتين.

     تـُذكرني استدعاءاتها بأوامر ذوات القدر والشأن.  لكأنما هي لا تتصور مطلقــًا أن هناك من سيرد لها طلبــًا.  ماذا لو كان لدي التزام معين في نفس التوقيت؟  أكنت قادرة على الاعتذار عن موافاتها في الموعد الذي ضربته للقيانا؟  مهما يكن،  فأنا الأشد فضولا لمعرفة ما وراء أكمتها من ألغاز،  والأكثر حرصــًا على السعي الدائب وراء تلبية دواعي هذا النهم في الوقوف على أسرار الناس،  وهو نهم قد يقرأ من وجهين:  فمحمودٌ هو إن كانت الغاية منه العلم والمعرفة لاستخلاص العبر واستيحاء طرق الاستهداء أمام حوالك المواقف المباغتة للمرء في الحياة،  وما أكثرها إن رامت إحدانا أو أحدنا أن يعدّاها؛  فمن كثـُرت الأمثلة لديه،  في هذا الباب،  قاسَ قياســًا،  إلا يكن صائبــًا فلا أقل من أن يجنب الشخص الوقوع في أتون أكبر الشرور،  وإن كان قريني كثيرًا ما يعترض عليّ في هذا الباب بحالة ابن المقفع،  وما خلـّفه من درر مترجمة وموضوعة في كليلة ودمنة والأدبين كبيره وصغيره وما ساوق ذلك وتلاه من رسائل؛  فكنت لا أمل من الرد:  ــ إن الحالة يا عزيزي تختلف؛  فتلك تلك السياسة أودت بصاحبها فكان انزلاقه كمن كان يسير في بيداء فانقض عليه باشق وطمس رمسه،  أما أنا،  فمسكينة استبد بها الفضول المعرفي واتخذت من خير ما خلق الله من كائنات مادة للتشريح،  فأنا في الصباح والمساء،  كعالم الحيوان أو المعادن أو النباتات،  لا أفتأ أعاقر كؤوس الحالات الإنسانية المختلفة،  فأتذوق،  وأشم،  وأقيس،  وأقدّر،  ثم أضع الشخص في الخانة الملائمة له،  ضامة إياه إلى أقرانه،  فلكأنني مندليّيف،  ذلك العالِم الروسي الصبور،  يرتب العناصر في جدوله الشهير.  فهذا وجه.  والوجه الثاني محمولٌ على الذمّ وهو تشبيه هذا الفعل بالترامي على أملاك الغير.  والحجة المقدمة هنا أن للناس أسرارها وأنهم أحرص من أن يسمحوا لأي كان بانتهاك ما يعتبرونه داخلا في صلب حرماتهم.  وحجة أخرى مشابهة لهاته هي أن هذا العمل يدخل بصاحبته وصاحبه دائرةَ التجسس من بابها الواسع؛  والتجسس ــ كما هو شائع لدى الناس ــ معدود من القبائح الممجوجة،  والمُقـْدِم عليه ينظر إليه الآخرون بعين النقص والريبة،  ويحوقلون كلما رأوه،  وأفاضلهم لا يتورعون عن تحريك ألسنتهم جهرًا بالدعاء له،  متعمدين هكذا إسماع المعنيّ بأنهم يرجون له الانتشال مما تردى فيه من وهاد.  لكنني أنا شخصيــًا لا أعير هذا كله أدنى اهتمام.  فالمرء لا يأتي إلى العالم صفحة بيضاء،  كما أثبت ذلك العلم؛  إنه مبرمج بدقة متناهية،  ومن عناصر برمجتي الشخصية فيما أحس به وأمارسه الحرصُ الشديد والعناية الدقيقة بالوقوف على كل صغيرة أو كبيرة تتعلق بسائر الأشخاص الذين تقذفهم الأيام في طريقي.  وسواء أتعلق الأمر بأحياء قريبين أو بعيدين،  أو بأموات خـَلـّدتْ لهم صفحات التاريخ ذكرًا وأفعالا،  فإن اهتمامي بهم يبلغ مني المنتهى إلى أن أعود مالئة اليدين بأقصى ما استطعت الوصول إلى نيله من نفائس المعلومات دون إهمال ما قد يعتبره آخرون أمورًا غير ذات بال.  فرُبّ تفصيل تافه في نظر الغير يميط لي اللثام عن غرائب الدوافع لإتيان هذا الفعل أو ذاك.

     أقول هذا كله لتفـَـهُّـم موقفي المحتفي بهذه الدعوة العاجلة وغير المنتظرة.

     في الوقت المعلوم،  زرت جليلة في بيتها.  سبق أن طرقت قدماي أرجاء هذا البيت عدة مرات.  فيللا عظيمة من فيللات حي الشـُّـرْف الشهير بمساكنه التي تذكر بقصور ألف ليلة وليلة.  بناية من طوابق ثلاثة تحف بها حديقة مترامية تحرسها أشجار باسقة ويتوسطه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرســالة الرابعـــة

كتبها salwa jalal ، في 23 يناير 2012 الساعة: 11:32 ص

 

 

الرسالة الرابعة

 

     عزيزتي نجلاء

 

     لي صديق على الإنترنت يلح عليّ إلحاحــًا في معرفة هل أنا أكتب،  إلى جانب ما أكتبه هنا،  في موقعي "لقاء عبر القارات"،  القصة والرواية،  فهو ــ وينتحل لنفسه لقب "حلال المشاكل" ــ يقرأ ما أكتبه ويتطوع مشكورًا للتعليق على فحواه،  ثم إنه يجد أن لي ملكة التأليف الأدبي القصصي والروائي على وجه الخصوص.  وهذا الأخ الطيب جمعتني به لحظات سابقة في مدونته،  فكان بيننا تحاور،  وكان بيننا تصارح،  وكانت لحمة الكل وسداه أخوة صريحة سعدت بها أيما سعادة،  في وقت عز فيه البوح الصريح،  والتساؤل المجدي النافع،  والنقد الصادق البناء،  والتقدير المتبادل المبني على أساس وشائج إنسانية صافية.  صديق،  لعله قدرني فأحلني مكانة أعلى مما أستحق.  والحق أن لي جملة كتابات جنحت فيها إلى ما خمنت أنه إبداع أدبي قصصي،  ويغلب عليه معالجة القضايا الاجتماعية وتحليل الحالات النفسية،  ومحاولة تفسير المواقف التي يجد بعض الناس أنفسهم مدفوعين إلى اتخاذها.

      فإلى هذا الصديق العزيز كل احتراماتي وامتناني لما حفّ به شخصي من تقدير قد لا أكون جديرة به.

     وأطمئنه أنني إذا رأيت في أعمالي ما يستحق النشر،  فلن أتوانى في اتخاذ الخطوة اللازمة لإظهاره إلى الوجود،  سواء عن طريق النشر المكتوب،  أو هنا في موقعي هذا.  ولكن المغرمة بأمثال نجيب محفوظ وإرنست همنغواي وكي دى موباسان ودوستويفسكي وأنطون تشيخوف لا تسمح لنفسها بسهولة بمجاورتهم في السوق إلا إذا اقتنعت هي شخصيــًا بجدارة ذلك التجاور.

     فهذا عما حضرني اللحظة بعد أن وقفت على ما علق به أخي "حلال المشاكل" على بعض إدراجاتي.  وإني لأتوجه إليه بأحر التحيات من هذا المنبر التواصلي المتواضع،  وأؤكد له أن مساهماته الكتابية التي طالعتها بالتفصيل تؤهله فعلا إلى تبوئ مكانة مرموقة في دنيا الكلمة.  فعسى أن يقدم ولا يحجم،  وهو بدون ريب مفلح فيما سيقدم عليه.

     وأعود إلى محطة همّنا،  جليلة الديبة.  فقد شاءت الأقدار أن ألتقيها بالرميلات،  يوم الأحد الفارط.  ذلك أن معظم من يريد الاستجمام في التحام تام بالطبيعة العذراء يؤمّ في الغالب الأعم منار مالاباطا أو غابة الرميلات.  والأحب إلى قلبي هذه الأخيرة.  فهي غابة ممتدة مسافة كبيرة،  وأشجارها سامقة متجاورة عشوائيــًا في غير ما نظام،  وتنتهي بك الطرقات الترابية إلى قمة تل تطل على البوغاز ومنه على جنوب القارة الأوروبية حيث تتبدى بنايات المدن الصغيرة واضحة للعيان.  وهات يا أحلام،  وهات يا أشعار !  قيل لي في إحدى وقفاتي:  ــ فيمَ أنتِ ساهمة يا سلوى؟  فأجبت للحين:  ــ في كيفية عبور طارق بن زياد ورجاله لهذا البوغاز لأول مرة،  وأية عزيمة تلك التي كانت له،  عندما اكتفى بحفنة من مغاويره لغزو قارة ملغزة لم تطأ ثراها بعد قدم فاتح من الفاتحين المسلمين.  وكان منهم استغراب.  ولكن نفسي كانت مضمخة بعبير التاريخ الإسلامي الذي سكن أحشائي منذ نعومة أظافري،  فأنا العظيمة به وإن قلّ اليوم شأني.

     التقيت جليلة وكانت قد قدمت إلى هذه النواحي تطلب لحظة استراحة من عناء خططها الجهنمية المتتالية التي ما إن هي تفرغ من إحداها حتى تتلقف غيرها،  فلكأنما هي طاحونة القمح التي كلما فرغت من الزكيبة صبّ فيها صاحبها غيرها في غير توان ولا تقدير لأيّما تعب قد يصيب الآلة.

     كانت بهية كعادتها،  تتحرك كطاووس يختال في زهو بين أفراد جماعتها الملتئمة حول طاولات متنقلة والمستقرة على مقاعد بلاستيكية بيضاء.  رمقتها عن بعد وتابعت النط في حركات رياضية تسمح بها بذلتي وحذائي مما تتيح المناسبة ارتداءه.  لم أشأ أن أقترب منها،  فأنا أقدر لكل شيء مكانته.  ولدهشتي،  غادرت جليلة جماعتها وقصدتني كما يقصد المفترس فريسته.  تظاهرت بعدم ملاحظة قدومها،  وتابعت مرحي الطفولي البريء،  لكنها سرعان ما أدركتني،  وصاحت فيّ:  ــ سلوى،  يا لسعادة المصادفة! دخلنا بعدها في لحظات مصارحة ومكاشفة.  سرنا حتى بلغنا آثار القصر المندثر.  قالت لي ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرســالة الثالثـــة

كتبها salwa jalal ، في 23 يناير 2012 الساعة: 06:18 ص

 

 

 

الرسالة الثالثة

 

     عزيزتي نجلاء

 

     لا ينبغي أن تعتقدي أن جليلة على درجة من اللاإنسانية تدفعك إلى تصنيفها ضمن دائرة بنات وأبناء الشر في هذا الوجود.  ما أبعدك عن الصواب إن أنت اعتقدت فعلا مثل هذا الاعتقاد !  إذ الحق كل الحق أن جليلة تحمل بداخلها شخصيتين مختلفتين،  بل تكادان تكونان متناقضتين،  كما أتيح لي أن أقف على ذلك بنفسي.  وأغرب من هذا أنني أنا نفسي أشعر دومــًا بصراع داخلي بين صوتين متناقرين أحدهما يميل بي إلى هذا الرأي والآخر يجنح بي إلى سواه،  ولا يحسم في الأمر إلا مرجعيتي الدينية؛  فهي،  في هذا الجانب،  خير بوصلة مخلصة للمرء من مخالب الحيرة والضياع وراء سوء التقدير.  أما جليلة،  فلم أستطع أن أحدد مرجعيتها بالضبط.  هي تبدو في حركاتها ملتزمة بأصول الإسلام؛  تؤدي صلواتها في الوقت وتحرص على ذلك حرصــًا شديدًا.  هل هو تظاهر أمام الناس بالتقوى؟  قد يكون؛  فكثيرات وكثيرون ممن أعرف انبناء نفوسهم على أعمدة زرع الشقاق بين الناس،  أراهم لا يترددون في الهبّ،  حالة سماع الآذان،  إلى حيث يتوضؤون ومن ثم يفرشون السجادة ويقيمون الصلاة ثم يدخلون فيها،  فالله أعلم بحقيقة أمرهم،  وإن كنت لا أجزم بأنهم في مبعدة عن الرياء.  مهما يكن،  فالعبرة بالأفعال،  والأفعال بنتائجها.  وما أراه في جليلة هو أنها بالغة أعلى درجات الأنانية وحب الانفراد بالخيرات والمسارعة إلى الانتقام من المناوئات والمناوئين،  ثم،  وفي الآن عينه،  تقديم العون للمحتاج،  وتصدر لوائح المحسنات والمحسنين،  واقتراح الحفلات بتكلف المناسبات،  وإنقاذ من أصابته الأقدار بشر من الشرور،  إن أمكنها إلى ذلك سبيل.

     فإني لأعجب من هذا التكوين المركب الذي إن أسفر عن الشر،  فليقولن المرء إنه هو الشر كله،  وإن هو أماط اللثام عن الخير،  فليحكمن القاصي والداني بأنه الخير الذي لا خير بعده.  هل يوجد في دنيا الحيوان من يحمل مثل هذا التجاذب نحو هذين القطبين المتقابلين فينتقل من ذروة الافتراس إلى قمة الرأفة والحدب والحنان؟  لعل كل الحيوانات لا تخلو من شيء من هذا التقاطب،  ولكن الغالب لديها هو أحد القطبين.  لا يعيش المرء بقلبين.  إلا جليلة،  فهي وحدها خلقها الله تعالى بقلبين اثنين،  إذا نبض أحدهما،  سكن الآخر وارتكن،  وإذا ارتفع وجيب الثاني،  فالأول يكون قد سجل اسمه في دفتر الغياب.

     حقــًا،  لا ينبغي إساءة الظن بجليلة إلى حد تصنيفها مع الشريرات من بنات حواء،  ولكن تبرئتها،  في نفس الآن،  من دماء عدد وفير من الأبرياء،  لا سبيل إليها بحال من الأحوال.  فالتهمة بالعمل التخريبي في حياة الأفراد،  ثابتة ثبوت رؤية الهلال لذي العين الصحيحة،  وعملها الدائب لذر الرماد في الأعين لم يغيب عن كل ذي ذهن ثاقب حقيقة ما تخفيه حركاتها وسكناتها من حقد دفين وحسد مكين وقدرة فائقة على إتيان الشر من أوسع أبوابه إن كان ذلك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرســالة الثانيــــة

كتبها salwa jalal ، في 22 يناير 2012 الساعة: 06:50 ص

 

 

الرسالة الثانية

 

     أختي نجلاء

 

     تسود حياة بعض الناس سلطة غيبية خفية خرافية يفسرون بها تعثراتهم ويحثون طموحاتهم يستعجلون تحققها،  ويجدون فيها خير ملاذ لمعالجة كل ما يعترض سبيلهم من عوائق وما يواجههم من مشاكل.  من ذلك مثلا الاعتقاد في أن شخصًا ما يستطيع،  باللجوء إلى أنواع من الأعمال الخفية الشريرة وضع حد لإمكان الولادة لدى المرأة.  لقد كانت نواعم تعتقد ــ اعتقاد يقين لا مجرد تقدير وتخمين ــ أن جليلة هي التي كانت تقف وراء عدم قدرة ابنتها رباب على الإنجاب.  فقد سبق أن جمع الأمَّ وجليلة الديبة ودّ ٌ وصفاء قديمان،  ثم ساءت بينهما الأحوال وتعكرت سماء علاقتهما بغيوم وسحب داكنة لم تفلح رياح الصلح في زحزحتها قيد أنملة عن مكانها الذي استقرت فيه.  وبما أن الديبة كانت تتمتع بسمعة امتلاك ناصية الحالات النفسية للناس،  ولضعاف النفوس منهم على وجه الخصوص،  وبما أن رباب كانت في نظر والدتها تنتمي إلى هذا الصنف من الأوادم،  فإن شباك جليلة ــ في نظر نواعم ــ سرعان ما التفت حول عنق رحم ابنتها ومنعت التلاقح المرجوّ من رؤية نور الوجود.  ومما زاد في ترسيخ هذا الاعتقاد لدى الأم ما تناهى إلى سمعها من قسَم أقسمته جليلة لرغدة،  إحدى قريبات نواعم،  من أنها ــ أي رغدة التي كان قد حصل بينها وبين جليلة خلاف عميق ــ لن تتمتع بعد ابنتيها بالولادة حتى ولو انطبقت السماء على الأرض،  وأنها إن خلفت مرة أخرى فإن جليلة ليست امرأة يقام لها ويقعد بين النساء بل وفي عالم الرجال !  وها قد مر أكثر من عشرين سنة على هذا القسم،  ورغم سائر مساعي رغدة للإنجاب ثالثة،  فإنها لم تفلح في الوصول إلى النتيجة المطلوبة.  فإذا أضيفت هذه الواقعة التي وقفت عليها نواعم من صاحبة الوضع نفسها،  إلى ما تعرفه من أخبار جليلة وأحوالها مما سبق أن حكته لها في أيام الصفاء،  وإلى ما تلوكه الألسن كل يوم من أعمال هذه المرأة التي تخطت حدود الرحمن إلى فضاءات الشيطان،  وصولا إلى الوضع الذي تردت فيه ابنتها رباب منذ ثلاث سنوات خلت على زواجها من حارثة،  الشاب الوقور الحريص الحرص كله على سعادة بيته والمنتظر بصبر أيوب لفرج الله أن يهبه الخلفة ويقر عينيه بالدرية التي يرجو أن تكون صالحة فالحة تسر القلوب وتطفح لها الصدور بالحمد والدعاء بأن يكثـّـر الله من أمثالها؛  إذا أضيفت هاته إلى تلك وتلك وما قبلهما،  فإن الأدلة قد اكتملت في يد نواعم لإدانة جليلة والبرهنة على تورطها فيما آلت إليه حال ابنتها من جفّ التربة عن الإنبات. 

     على أن نواعم كانت ذات رؤية بعيدة؛  فهي قدرت أنها لو نازلت جليلة بنفس سلاحها،  وذلك باللجوء إلى غيرها من ذوات الشأن وذويه في هذا الميدان،  لما أفلح لها مسعى،  ذلك أن صاحبة هذا الوضع ــ الذي يسمى "الثقاف" باللسان الشعبي ــ هي الأدرى والأقدر على رفع هذا النير،  هذا رغم وجود المقتدرة فعلا والمقتدر على حل مثل هذه العقدة،  ولكن العثور عليهما وحده يكلف المرء بحثــًا ذا بال،  فضلا عن استغلال أمثال هذين للوضع ولجوئهما ــ بالتالي ــ إلى استنزاف خيرات السائلة أو السائ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرســـالـــة الأولـــى

كتبها salwa jalal ، في 12 يناير 2012 الساعة: 03:03 ص

 

 

الرسالة الأولى

 

     أختي نجلاء:

 

     سألتني أن أوافيك بأخبار جليلة،  الملقبة بـ"الديبة"،  لتنجلي أمامك صورتها التي بلغتك أوصافها من أكثر من واحدة وواحد،  فبادرت إلى تلبية طلبك للحين،  بادئة بآخر ما يروج في حقها من أخبار جمعتها وعبد الحكيم جنجر في كفة واحدة،  فصارا حديث القاصي والداني في بلدتنا،  بلدة حيحة،  وفي الأسواق المحيطة بها والتي تحمل في الأغلب الأعم أسماء الأيام،  كسوق الأحد،  وسوق الاثنين،  وهلم جرًّا.

     لقد ركزت عينيها في عبد الحكيم،  وأقسمت بالتالي ألا تصفو لها سماء من غيوم إلا بعد الإيقاع به وتركيعه،  وهي تعلم علم اليقين عظم قسمها،  وتشهد حق اليقين رفعة شأن السيد جنجر،  وتشاهد عين اليقين انفلات زمامه من يدها؛  وذاك كان تحديها الذي به ركبت الأمواج العاتية وضربت عميقــًا في أعالي المحيطات.

     بالرجوع إلى حياتها الماضية،  فكل أفعالها كان يقودها روح التحدي العنيد لخض شوكة كل من تضعه نصب عينيها.  وها قد جاء دور عبد الحكيم:  ما باله يمشي متبخترًا هكذا؟  أملك هو أم ملاك هبطت به يد الأقدار إلى أواسط الناس،  فلم يماثلهم في شيء مما به تسوء الأخلاق،  ولم يجارهم في أمر مما قد يعد مضيعة للأوقات؟

     فأول ما فعلته أن تقفـّت خطاه وأخذت حفنة من تراب أثر نعليه، 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قـــوة الفقـــــر

كتبها salwa jalal ، في 19 نوفمبر 2011 الساعة: 06:12 ص

 

 

 

قـوة الفقـــر
 
     سأبدأ بذكر واقعة حدثت لامرأة أعرفها عن قرب.
     لصليحة ابنة عم تخرجت مهندسة واشتغلت بإحدى الشركات الشهيرة بالمنطقة الحرة في مدينة طنجة. مرت سنتان على اشتغال الفتاة لم تسأل خلالهما مرة واحدة عن خالتها. لعل السبب اتساع هوة الفوارق بين أسرتي أبيها وخالتها. فقد كان لصليحة، في زمن ولـّـى وكأنه ما كان إلا كحلم مرّ كومضة برق وسط غيم لا ينقشع؛ كان لها بيت له قدْر وشأن في بلدتها بجنوب المغرب، وكان لها زوج وأبناء، فأما الزوج فجرفه تيار الحياة فركب سفينة زواج أخرى بعد أن فكّ الحبال الشرعية التي كانت تربطه بصليحة، وطوت ذكراه الأيام؛ فلا هو يسأل ولا الطليقة تفعل، وأما الأبناء فهم كل ما تبقى حولها، إلا أن شغلهم ظل واهنــًا، فكان على المرأة أن تلتقط فتات عيش يومها من عرق جبينها بالاشتغال ببيوتات الراغبين. وفي عيد الأضحى السابق، أي منذ حوالي أسبوعين فحسب، جاء صليحة نبأ وفاة المهندسة على إثر حادثة سير أودت بحياتها بعد لحظات من الإسعافات التي لم تجد فتيلا مع الأجل المحتوم الذي حان أوانه. 
     روت صليحة بالحرف الواحد أنها عندما ذهبت إلى بيت عائلة الفقيدة لتقديم العزاء لذويها، التقت هناك بابن خالها، وهو ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لوحة سلوى قوة الحُلـــم

كتبها salwa jalal ، في 3 نوفمبر 2011 الساعة: 09:10 ص

 

 

لوحة سلوى قوة الحُلم

 

     أخيرًا توصلتُ،  وبعد طول تجوال وعناء ممزوج بمتعة الاستكشاف،  إلى أن قوة الحُلم إنما هي استمراريتـُه كرمز منفتح على فضاء التأويل الفسيح.  فرغم ما أجده عند ابن سيرين من ترجمات مباشرة لأسماء الأشياء بمعاني محددة،  وحسمه في دلالة الحُلم على أحداث المستقبل،  الشيء الذي ينفيه بصرامة فرويد وتابعوه؛  رغم كل هذا العلم الذي غلـَّف عالم الأحلام،  فإنني لا أقوى على نفي سحر مّا غريب يباطن الحُلم ونظل نسعى وراء تحصيل تفسير معقول أو مقبول له.  هذا التفسير قد يقتنع صاحبه بمؤشرات محددة له،  ثم ما يلبث أن يقتنع به،  وقد تكون له سياقة ٌ نحو نهاية مفجعة،  كما تجد لدى فتاة قصة "بالأمس حلمت بك" لبهاء طاهر،  فلا يتردد في أن يخوض مقدامـًا لجّة َ قدره المحتوم،  أو ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قوة الحُـلم لوحة التي لم تخطر بالبــــال

كتبها salwa jalal ، في 17 أكتوبر 2011 الساعة: 15:25 م

 

 

قوة الحُـلم لوحة التي لم تخطر بالبال

 

 

 

     لم يبق بيني وبين المؤسسة سوى حوالي الخمسمائة متر،  حينما فوجئت بشهرزاد واقفة على الرصيف مرتدية لباســًا متناسقــًا،  وبيسراها مجموعة ملفات كانت تضمها إلى صدرها،  ويحيط بمحياها ذي الملامح الجادة هالة شعر تفننت اليد التي قصته وسرحته فاستدار حول الوجه كهلال كالح السواد.  وشهرزاد هذا ليس اسمها الحقيقي وإنما نحن أطلقناه عليها فغلب على اسمها ليلى،  ولم يعد أحد يناديها إلا باسم الشهرة،  خاصة وقد استطابته وأعربت عن امتنانها للتي توفقت في إطلاقه عليها.  وليست صاحبة هذا الفعل التاريخي سوى راويتكم المتواضعة،  وقد جاءني عفو الخاطر فلا أدعي فيه موهبة ولا ابتكارًا،  وكانت أقوالها وأفعالها وحركاتها هي السبب وراء ذلك الاختيار. 

     آخر من كنت أتوقع أن ألتقيه،  لا صباح هذا اليوم فحسب،  وإنما خلال سائر هاته الأيام،  هي شهرزاد بالذات.  لقد دخلت منطقة ظل الذاكرة منذ أزيد من سنة،  وصارت قريبة الانضمام إلى كائنات عالم اللامفكر فيه،  كما يحلو لمحمد أركون أن يردد في كثير من الأحيان.  فآخر ما يخطر بالبال هو أن ألتقي بشهرزاد،  وفي هذا الوقت المبكر من الصباح،  وحتى إذا تسلل طيفها إلى عالم الاستذكار،  فإن من المستبعد كليــًا أن تعقد المصادفة ــ مصادفة اللقاء ــ بيننا فرصة اتصال،  فأحرى الانتقال منه إلى تواصل،  بل وتبادل حرف من حروف التعبير.  لقد شكلتْ عالمــًا خاصــًا انفرد عنا من زمان صار الآن بعيدًا على قصر حبل مداه،  واستحقت به أن تنضمّ إلى ما يعجّ به التاريخ من أثريات الأشخاص.

     في لحظة كلمح البصر،  راودتني فكرة ألا أتوقف لأحييها وأبادلها الكلام،  فتكون بذلك أول الأشخاص الذين أفتتح بهم يومي.  وخلال تل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لوحــة سميحــة ق ح

كتبها salwa jalal ، في 12 سبتمبر 2011 الساعة: 01:08 ص

 

 

قوة الحُلــم لوحة سميحة

 

ــ 3 ــ

 

     طيلة ما مضى من عمري،  شكلتُ استثناءً،  كثيرًا ما احتار فيه غيري.  كأنني البحر في مدّه وجزره.  كأني والقمر مرتبطان بعقد أبدي.  علاقاتي الأفقية لا يحصيها العد.  أحيانــًا،  تمتلئ ساعات يومي بالناس من مختلف الطبقات.  أترفع وأنتقي،  شيمة أمي،  ولكنني قليلا ما أفعل ذلك.  طبعي مُغترَف من قِدر والدي.  والدي الأنثربولوجي،  المنفتح على سائر شرائح المجتمع.  ما أغرب علاقاته،  والأغرب من ذلك قدرته الخارقة على التوفيق والجمع بين من يعيشون في القاع ومن يعتلون سدة تصريف أمور البلد !  له نفوذه الخاص،  وشخصيته المتميزة،  وأنَاتـُه وتريّثه ودقته المتناهية في ترتيب أوراق علاقاته الاجتماعية.  منذ صغري،  لازمته ملازمة الظل لصاحبه.  ولم يكن هو يبرم بمصاحبتي له.  كانت أبحاثه تقوده إلى البوادي،  وإلى الناس قاطني المغارات،  وإلى الرُّحَّل ملتحفي القياطين.  وكنت رفيقته ومدونته وحاملة متاعه التقني من آلة تصوير وجهاز حاسوب واسطرلاب عصري وأدوات أخرى.  دفتر تدوينه ضم خربشاتي إلى جانب رموزه.  أب كأحد قدماء مؤرخي الإنسانية.  بحوثه منشورة،  واقتراحاته غيرت كثيرًا من أحوال وأوضاع الساكنة.  كنت أفكر في صبر والدي وأنا أستحضر صورة سميحة.  امرأة مستوية الخلقة،  بيضاء لون الجلد،  صافية أديم البشرة،  في جمال كليوباترة وشموخ أنفها العتيد.  امرأة لا حد لطموحها.  لو عرض عليها أن تشرب البحر لكي يتحقق مبتغاها،  لفعلت للحين،  وإن لم يَسَع خزانها ماء البحر لاستحوذت بطرقها الخاصة على سائر خزانات الدنيا لإفراغ البحر مما فيه من ماء !  لا أبالغ،  حتمــًا،  لا أبالغ في شيء.  قد أضخـّم لأقرب الفكرة،  لكنني أفعل ذلك بدون أدنى مبالغة.  لم يخلق الله تعالى التنوع في الطبيعة وحدها،  بل وخلقه في طبيعةِ الواحدةِ والواحدِ من الناس.  كنت،  في وقت سابق،  قد قرأت على مسمع والدي،  في أوقات مطالعاته الحرة،  حيث كان يحلو له أن يتمدد على الكرسي الطويل ويغمض عينيه ويركز كل تفكيره في سمعه وما يلتقطه مني من عبارات،  ولا يخرج عن صمته إلا عندما أنطق لفظــًا غريبــًا،  أو أستفسره عن معنى عبارة من العبارات؛  قد قرأت له في بعض تلك الجلسات كتاب الأمير لمكيافيللي.  كنت أقرأ نصائح هذا الداهية الذي أحبط خططـَه القدر؛  نصائحه المخاتلة للأمير،  وأستغرب من مكره المكشوف.  وكان الوالد يضحك ويقول:  إنما هذا الكتاب موجه إلى العامة،  أما الصفحات المحتوية حقــًا على نصائحه العميقة،  فهي ملحق سلـّم للأمير،  ولعله تسرب إلى أيدي موسوليني واستفاد منه في إعداد أطروحته.  طوت أيادي الأيام ذاك العهد،  ودارت رحى الدهر دوراتها الرتيبة،  وجاءت سميحة،  فأعادت إلى ذهني صورة أمير ذلك الكاتب الإيطالي غابر العهد.  قرأت ــ فيما بعد ــ مقا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لوحة شقرون ق ح

كتبها salwa jalal ، في 15 أغسطس 2011 الساعة: 23:12 م

 

 

قوة الحُــلـــم لوحة شقرون

 

ــ 2 ــ

 

     لو لم يكن الحُـلم الذي رأيته قد ملك عليّ كل كياني،  لما استحضرت صورة شقرون،  بواب المؤسسة،  والذي قد يكون أول من أصادفه في وفودي على مقر عملي.  إن وصفته بأنه شاب في الخمسين من العمر،  لما ابتعدت عن الحقيقة إلا بوصة أو بوصتين.  حدث مرة أن أوصلناه،  قريني وأنا،  إلى بيته لاستنجاد زوجته به لكي يتدخل سريعــًا لإنقاذ أحد أبنائه مما اعتراه من تغير بسبب ألم ٍ ألمَّ به أوقفه على عتبة الدار الأخرى.  كان يسكن في ضواحي المدينة.  وكان بيته الصغير محاطــًا بضيعة بسيطة حفت بها أشجار في بداية نموها.  في تلك الزيارة،  قدمنا لابنه الإسعافات اللازمة،  فتماثل للشفاء،  وعاد إلينا بعد أن كان على وشك الرحيل الأخير.  وكانت فرصة حميدة لحمدون ــ كما يحلو لي أن أدعوه ــ رفيق دربي،  إذ بلغت فيها روحه درجة الانتشاء؛  فهو كأنما خلقه الله تعالى ملاك غوث لجميع الناس بدون استثناء،  فما إن يناديه المنادي،  حتى يترك كل ما في يديه،  ويهرع للنجدة.  هو هكذا خلق،  وكما يحلو له أن يقول:  هكذا بُرْمِجْت.  وعندما كنت أتدخل،  في بداية عهدنا بعضنا ببعض،  محاولة التقليل من مصدر الاستغاثة،  كان يقضي بقية نهاره وليله كبقرة حلوب أضاعت عجلها الرضيع؛  فهي تدخر لِتـْراتٍ من الحليب،  فأين من يمتصها،  من بنات البقر وذواته،  في مبعدة عن هذه الأصابع المتاجرة بما لها وما ليس لها؟  من المبادئ الأساسية التي شيد عليها حمدون حياته:  المسارعة إلى تقديم العون،  أقصى العون وجهد الإمكان،  لكل من يطلبه منه.  كأنما هو أب لجميع الناس،  الصغير منهم والكبير.  أما عندما يفرغ من إمداد الراغب بالمساعدة اللازمة،  أما عندما يتناهى إليه صدى الارتياح لدى من تدخل لرفع أحد الأثقال عنه،  فإنه يظل بقية ساعات يقظته يغني ويصفر بمختلف الألحان الرقيقة؛  كأنما هو من نال المساعدة،  أو الذي امتلأت حافظة نقوده بعد طول نضوب.  ثم،  مع الأيام،  ملت إلى أن أرى حمدون في أوج سروره بدل اعتصامه بخيمة الاكتئاب.  فصرت له عونــًا،  وكسبت لسان حمدٍ لدى الناس،  ورجوت أن يقترن البذل برضى صاحب العطاء،  كل العطاء،  وبين هذا وذاك فزت بزوج سعيد.

     انتقل الحديث بي،  كمن يتزحلق على الجليد في انحداره خارق السرعة من قمة الجبل إلى أسفله؛  انتقل بي من شقرون إلى حمدون،  فيا لغرابة التداعيات !

     كانت تلك إذن فرصة تعرفي ــ عن قرب ــ على شقرون البواب.  وفيها عرفت تفاصيل حياته.  الزوجة التي قدمها لنا،  هي زوجته الثانية.  أما الأولى فلا تزال على ذمته،  وإن كانت قد استقلت بحياتها عنه.  الزوجة الثانية هاته ابنة البادية،  تعرف من الأنعام أكثر مما تعرفه من البشر.  اقترن بها وهي في السادسة عشرة من العمر،  ولكنها كانت تضاهي ــ كما أَخْبَرَتْ ــ فتاة ممتلئة من بنات العشرين،  فتاة كنساء ألمانيا العملاقات؛  قالت وهي ترفع رأسها شامخة بهامتها إلى أعلى تكاد تناطح سحائب السماء.  سألتها:  من أين لك المعرفة بسليلات الجرمان؟  قالت:  كل من وصل إلى ألمانيا من دوارنا أيام الحرب يحكون عنهن العجائب.  وحقــًا،  وهي الآن ــ أي في وقت الزيارة ــ في السادسة والعشرين،  كان بين يديها رضيع هو السادس في ترتيب أشقائه.  ألا تتعبك عملية الولادة المترادفة هاته؟  سألتها باستغراب ولهفةٍ انتظارًا لما ستجيب به.  قالت وهي تهز رأسها تهش به ذبابتين متراكبتين حطتا منها على الجبين:  هؤلاء أخرجتهم إلى الدنيا كما أخْرِجُ الأرغفة الناضجة من الفرن؛  لم أشعر بهم،  وهاهم الآن يكبرون،  وقريبــًا سيصبحون رجالا ونساء،  ولو قرن السي شقرون رأسه برأسي،  لأضفنا إلى هؤلاء ضعف عددهم،  ولصار لنا في المستقبل حيّن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي