الرسالة الخامسة
عزيزتي نجلاء
شيء ما يحيّرني ويشغل بالي ويملأ أوقات فراغي هذه الأيام. فمنذ التقائي بجليلة في غابة الرميلات، وأنا أحاول جاهدة أن أرسم لنفسي صورة دقيقة وحقيقية من الداخل؛ لا لها هي، وإنما لي أنا ! دعي عنك هذه الصورة التي أبدو بها بين الناس، وفي العمل، وعلى الإنترنت؛ كلا، فما هذا مبتغاي. إنني أروم استعمال سائر الألوان والظلال لرسم صورتي الحقة الداخلية. أعرف نواقصي وكمالاتي المتواضعة، أدرك أن نفسي تميل إلى فعل الخير أكثر منها إلى مسايرة أفاحيح الشر. ولكن هناك فعلا أشياء عميقة تجعل صورة نفسي الداخلية مختلفة إلى هذا الحد أو ذاك عن الصورة الشائعة لي في دنيا الناس. رسم الصورة الداخلية للنفس أمسى، بالنسبة إليّ، معضلة المعضلات.
دعكِ الآن من هذا، وتعالي معي إلى آخر أخبار جليلة، والصحيح: آخر أخباري معها. فقد اتصلت بي هاتفيــًا في المساء ودعتني لزيارتها مساء اليوم التالي عندما أفرغ من عملي وأؤوب إلى البيت وآخذ لنفسي ما يكفي من الوقت للخروج من جلد شخصية النهار وتقمص ما يليق بملاقاة الناس في المساء. سألتها: ــ ما المناسبة؟ كنت أسأل لكي آخذ معي ما يناسب من هدايا أو غيرها من واجبات أقرها العرف في كل مناسبةٍ مناسبة. أطلقتْ ضحكة رنانة وقالت: ــ عندما تشرّفين ستعرفين؛ ائتيني بيديك فارغتين.
تـُذكرني استدعاءاتها بأوامر ذوات القدر والشأن. لكأنما هي لا تتصور مطلقــًا أن هناك من سيرد لها طلبــًا. ماذا لو كان لدي التزام معين في نفس التوقيت؟ أكنت قادرة على الاعتذار عن موافاتها في الموعد الذي ضربته للقيانا؟ مهما يكن، فأنا الأشد فضولا لمعرفة ما وراء أكمتها من ألغاز، والأكثر حرصــًا على السعي الدائب وراء تلبية دواعي هذا النهم في الوقوف على أسرار الناس، وهو نهم قد يقرأ من وجهين: فمحمودٌ هو إن كانت الغاية منه العلم والمعرفة لاستخلاص العبر واستيحاء طرق الاستهداء أمام حوالك المواقف المباغتة للمرء في الحياة، وما أكثرها إن رامت إحدانا أو أحدنا أن يعدّاها؛ فمن كثـُرت الأمثلة لديه، في هذا الباب، قاسَ قياســًا، إلا يكن صائبــًا فلا أقل من أن يجنب الشخص الوقوع في أتون أكبر الشرور، وإن كان قريني كثيرًا ما يعترض عليّ في هذا الباب بحالة ابن المقفع، وما خلـّفه من درر مترجمة وموضوعة في كليلة ودمنة والأدبين كبيره وصغيره وما ساوق ذلك وتلاه من رسائل؛ فكنت لا أمل من الرد: ــ إن الحالة يا عزيزي تختلف؛ فتلك تلك السياسة أودت بصاحبها فكان انزلاقه كمن كان يسير في بيداء فانقض عليه باشق وطمس رمسه، أما أنا، فمسكينة استبد بها الفضول المعرفي واتخذت من خير ما خلق الله من كائنات مادة للتشريح، فأنا في الصباح والمساء، كعالم الحيوان أو المعادن أو النباتات، لا أفتأ أعاقر كؤوس الحالات الإنسانية المختلفة، فأتذوق، وأشم، وأقيس، وأقدّر، ثم أضع الشخص في الخانة الملائمة له، ضامة إياه إلى أقرانه، فلكأنني مندليّيف، ذلك العالِم الروسي الصبور، يرتب العناصر في جدوله الشهير. فهذا وجه. والوجه الثاني محمولٌ على الذمّ وهو تشبيه هذا الفعل بالترامي على أملاك الغير. والحجة المقدمة هنا أن للناس أسرارها وأنهم أحرص من أن يسمحوا لأي كان بانتهاك ما يعتبرونه داخلا في صلب حرماتهم. وحجة أخرى مشابهة لهاته هي أن هذا العمل يدخل بصاحبته وصاحبه دائرةَ التجسس من بابها الواسع؛ والتجسس ــ كما هو شائع لدى الناس ــ معدود من القبائح الممجوجة، والمُقـْدِم عليه ينظر إليه الآخرون بعين النقص والريبة، ويحوقلون كلما رأوه، وأفاضلهم لا يتورعون عن تحريك ألسنتهم جهرًا بالدعاء له، متعمدين هكذا إسماع المعنيّ بأنهم يرجون له الانتشال مما تردى فيه من وهاد. لكنني أنا شخصيــًا لا أعير هذا كله أدنى اهتمام. فالمرء لا يأتي إلى العالم صفحة بيضاء، كما أثبت ذلك العلم؛ إنه مبرمج بدقة متناهية، ومن عناصر برمجتي الشخصية فيما أحس به وأمارسه الحرصُ الشديد والعناية الدقيقة بالوقوف على كل صغيرة أو كبيرة تتعلق بسائر الأشخاص الذين تقذفهم الأيام في طريقي. وسواء أتعلق الأمر بأحياء قريبين أو بعيدين، أو بأموات خـَلـّدتْ لهم صفحات التاريخ ذكرًا وأفعالا، فإن اهتمامي بهم يبلغ مني المنتهى إلى أن أعود مالئة اليدين بأقصى ما استطعت الوصول إلى نيله من نفائس المعلومات دون إهمال ما قد يعتبره آخرون أمورًا غير ذات بال. فرُبّ تفصيل تافه في نظر الغير يميط لي اللثام عن غرائب الدوافع لإتيان هذا الفعل أو ذاك.
أقول هذا كله لتفـَـهُّـم موقفي المحتفي بهذه الدعوة العاجلة وغير المنتظرة.
في الوقت المعلوم، زرت جليلة في بيتها. سبق أن طرقت قدماي أرجاء هذا البيت عدة مرات. فيللا عظيمة من فيللات حي الشـُّـرْف الشهير بمساكنه التي تذكر بقصور ألف ليلة وليلة. بناية من طوابق ثلاثة تحف بها حديقة مترامية تحرسها أشجار باسقة ويتوسطه






















